محمد متولي الشعراوي

1945

تفسير الشعراوي

الجزء الرابع [ تتمة سورة آل عمران ] إنه سبحانه حكم فيما يملك ولا أحد يستطيع أن يخرج من ملكه ، وما دام للّه ملك السماوات والأرض ، فحين يقول : « فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » فهذا الوعيد سيتحقق ؛ لأن أحدا لا يفلت منه ، ولذلك يقول أهل الكشف وأهل اللماحية وأهل الفيض : اجعل طاعتك لمن لا تستغنى عنه ، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك ، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه . إذن ف « وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » تدل على أن اللّه حين يوعد فهو - سبحانه - قادر على إنفاذ ما أوعد به ، ولن يفلت أحد منه أبدا . وهذه تؤكد المعنى . فإذا ما سرّ أعداء الدين في فورة توهم الفوز ، فالمؤمن يفطن إلى النهاية وماذا ستكون ؟ ولذلك تجد أن الحق سبحانه وتعالى قال : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 ) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ( 3 ) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ( 4 ) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ( 5 ) ( سورة المسد ) وهذه السورة قد نزلت في عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وكانت هذه السورة دليلا من أدلة الإيمان بصدق الرسول في البلاغ عن اللّه ، لأن أبا لهب كان كافرا ، وكان هناك كفرة كثيرون سواه ، ألم يكن عمر بن الخطاب منهم ؟ ألم يكن خالد بن الوليد منهم ؟ ألم يكن عكرمة بن أبي جهل منهم ؟ ألم يكن صفوان منهم ؟ كل هؤلاء كانوا كفارا وآمنوا ، فمن الذي كان يدرى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أنه بعد أن يقول : « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ، ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ، سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ، فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ » من كان يدرى محمدا بعد أن يقول هذا ويكون قرآنا يتلى ويحفظه الكثير من المؤمنين ، وبعد ذلك كله من كان يدريه أن أبا لهب لن يأتي ويقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وقد يضيف : إن كان محمد يقول : إنني سأصلى نارا ذات لهب فهأنذا قد آمنت ، من كان يدريه أنه لن يفعل ، مثلما فعل ابن الخطاب ، وكما فعل عمرو بن العاص . إن الذي أخبر محمدا يعلم أن أبا لهب لن يختار الإيمان أبدا ، فيسجلها القرآن على